أ.د.ذنون الطائي
مؤرخ واكاديمي
اختصت مدينة الموصل القديمة بريازة بنائية وعمرانية خاصة بها ، ميزتها عن بقية المدن العراقية والعربية عموما, ويتمثل ذلك بالتركيب الداخلي لها والمتمثل بالعديد من الشواهد العمرانية القديمة والتي تركزت فيها وبانت معالمها منذ العهد العثماني ، والمتمثلة :
بالجوامع والمساجد والكنائس والبيوت والمحلات السكنية والاسواق والقناطر والقيصريات والخانات والازقة الملتوية العنكبوتية وغيرها .
وهذه العناصر
البنائية شكلت نسيجاً عمرانياً مترابطا اساسه البنائي الجص والحجر وهما المادة
الاساسية في كل معطيات العمارة الموصلية حينذاك وحتى منتصف القرن العشرين .
اقرا ايضا مشروع العاصمة الادارية الجديدة في مصر
- المحلات السكنية الموصلية :
عندما ندلف الى أي من
المحلات السكنية سنجد مجموعة من الازقة التي تضم بيوت عدة وغالباً ما تكون تلك
الازقة ضيقة وملتوية ، واحياناً لا تسمح بمرور شخصين متجانبين من شدة ضيق بنائها ,
اذ امتاز البيت الموصلي بعلوه من الناحية الخارجية ويكون جداره الخارجي اما ( اصم
) او هناك ( كوشكات ) او شباك صغير يطل على الخارج . وهذا الامر وفر ميزة الحفاظ
على الحرارة والبرودة في الشتاء والصيف , اذ ان مادة الجص والحجر تحافظان على ذلك
.
- تفاصيل البيت الموصلي :
واذا ما ولجنا الى
داخل البيت نمر من خلال رواق قد يكون مستقيماً او متعرجاً ويعطي ذالك ميزة عدم
مشاهدة اهل البيت مباشرةً , فضلا عن توفره لصفة العزل الحراري وكذلك البرودة في ان
واحد , وبعدها نكون بمواجهة الفناء الداخلي
- الحوش
وغالباً ما تكون ارضيته من
المرمر ( الفرش الازرق ) الذي يضفي جمالاً وارتياحاً بصرياً ويحافظ على خصائص
البرودة صيفاً ويحف بالفناء شبابيك الغرف ،وتكون واسعة والتي تسمح بدخول ضوء الشمس
بالنهار ويولد راحة نفسية للساكنين ويبعث على النشاط
- الايوان :
المبني بالمرمر وهوعلى شكل نصف دائرة ومرد ذلك محاولة تقليل ضوء الشمس قبل الدخول الى الغرف التي تليه ، وهذا الايوان يكتسي بالمرمر من جوانبه وسقفه المبني بالجص على شكل ( مهد ) بالتعبير الموصلي ، ويضم الفناء الداخلي مداخل الغرف وبمقدمتها ( العتبة ) من المرمر تمنع دخول الماء في الشتاء واثناء المطر ، والغرف تكون على شكل ( عقدة ) او تسمي ( عرقجين) اي محدبة البناء لتحافظ على خصائصها البنائية .
- السرداب :
وفي واجهة الفناء غالباً ما يكون المدخل الى ( السرداب ) ويسمى ( الرهرة ) , وهى تبنى إما حول فناء المنزل او نصفه واحياناً تأخذ حيز الواجهة وفيها شبابيك بمستوى ارضية الفناء ،ومن الداخل يحفها المرمربطول 120 سم على شكل نطاق وتكون باردة صيفا ومعتدلة شتاءاً وتستخدم للقيلولة في فصل الصيفولاغراضخزن المواد الغذائية ( المونة ) خاصة بعد فصل الخريف.
- الاخشيم :
ونلحظ من خلال
الفناء وجود الدرج الذي يوصل الى ( السطح ) واحياناً يودي الى ( الاخشيم ) او (
الاشخيم ) واحياناً تسمى ( العلية ) وهى
غرفة صغيرة بين الفناء والسطح وتضم فتحات للتهوية والانارة في النهار ويطل على
الفناء ومهمته حفظ المواد المختلفة ( الحنطة ) بعد الحصاد التي تخزن لاستخداماتها
المختلفة .
وفي بعض البيوت
سطحين يستخدمانلاغراض مختلفة، منها تجفيف الملابس بعد غسلها وفرش الحنطة وتنشيفها
بعد سلقها في قدر كبيرأوائل فصل الخريف ويضم السطح أيضاً ( التنور ) لخبز الخبزمنذ
الفجر ويوفر السطح مكاناً للنوم ليلاً في فصل الصيف .
- الخزانة :
ولا ننسى ذكر ما
يسمى ( الخزانة ) في الطابق السفلي للبيت وهى غرفة صغيرة داخل إحدى الغرف وتستخدم أيضاً
لحفظ المؤونة والدهن ومشتقات الحنطة كالبرغل والطحين وغيرها ،ويعتليها عدة فتحات
علوية تطل على خارج البيت لاغراض دخول الهواء وضوء الشمس . ولا بد من الاشارة بان
الطابق العلوي للبيوت التي تتكون من طابقين يضم غرفتين اوثلاث وفيها شبابيك واسعة
تطل على الفناء الداخلي واحياناعلى الخارج .
هذه مميزات
البيت الموصلي والعمارة الموصلية لعموم بيوت اهل المدينة ،وفي بعض البيوت ذات
المساحات الصغيرة قد يضطر صاحب الدار الى استغلال الزقاق جوار بيته ويبنى( قنطرة )
بموافقة البلدية ويعتليها غرفة متصلة في بيته ذات شباك او شباكين يطلان على الزقاق
وهى كتوسعة لغرف الدار .
- بيوت الموسرين :
بطبيعة الحال
فان بيوت موسري الحال تضم اجنحة اخرى مثل غرفة الاستقبال الواسعة في مقدمة الدار ،
الى جانب فضاء اضافي وربما غرفة للخدم واحياناً هناك اسطبل للخيول بعيداً عن غرف النوم
. ويضم بدل الحوش الواحد أثنين وسطحين.
- الكوشكات:
والعمارة
الموصلية تتميز بريازتها المتفردة كالمقرنصات والزخارف النافرة والغائرة المزدانة
بأشكال العناصر النباتية واشكال من الازهار او رسومات الحيوانات ونادراً ما نجد
(طارمة) للبيت الموصلي تطل على الخارج , بل هناك الكوشكات والتي تسمى ( الشناشيل )
لدى اهالي بغداد، وهى تعتلي الدار في الطابق العلوي و تمتد حوالي 1.5 متر الى
الامام و 2.5 الى الجوانب واساسها البنائي هو الخشب على شكل مستطيل خشبي ويلفها
زجاج ملون لمنع النظر الى الداخل ويستفاد منها لتوسعة الغرف العلوية .
وتضم بعض البيوت اشجاراً أوشجرة في وسط الفناء أو الحوش لتنقية الهواء وايجاد الظل في الصيف ،وغالباً ما تكون شجرة النخيل او التوت ،فضلا عن انواع سنادين الورد التي تستبدل حسب فصلي الشتاء والصيف كورد الجنبدوالشبو والقداح وغيرها التي تضفي بهاءاً بروائحها الزكية، وفي بيوت الموسرين نجد احياناً النافورة في وسط الحوش والتي تعمل على تلطيف الجو في فصل الصيف وتعبث على الارتياح .
- الخانات:
وفي الاسواق نجد
انتشار العديد من الخانات التي تقدم تسهيلات للقوافل التجارية كالمبيت والسكن
ومأوى للحيوانات ، اذ صمم الخان بحيث يخدم
هؤلاء ,فهو يتألف من بناء واسع ذي مدخل واحد او اكثر, ويتوسطه ساحة غير مسقوف ويحف
به بناء من طابقين الاول للسكن ، والثاني
يستخدم كمربط للحيوانات مع وجود اماكن لحفظ السلع الخاصة بالفعاليات التجارية , وهو عموماً مغلق وليس به نوافذ كخان الكمرك
وخان حمو القدو وخان الباليوز وغيرها .
- القيصريات:
وتحتل القيصريات
مكانة مهماً للفعليات الاقتصادية في الاسواق التي تضم مجموعة من الدكالكين على
جانبيها ، وهى ذات خصوصية بنائية وخدمية في العمارة الموصلية من حيث نوعية بنائها
من دكاكين متراصة فضلاً عن نوعية البضائع الثمينة التي تتداولهالذالك استوجب اضافة
طابق علوي من الغرف كمخازن، والعمل على احكام مداخلها للمحافظة على ما بداخلها من
بضائع ثمينة،و من ابرزها قيصرية سبعة ابواب ، قيصرية العبدلية، قيصرية اسباهي
بازار وغيرها.
- الحمامات:
انتشرت الحمامات
في الموصل بشكل واسع خلال العهد العثماني (1726-1834) وقد تبع التصميم العام للحمامات بشكل يتضمن
الانتقال التدريجي من البرودة الى الحرارة وبالعكس ، فقد اشتملت على المشلح
والمسبح الذي تفصل بينهما حجرة ويتكون المسبح عادةً من ساحة وسطية تحف بها اواني
فضية لكل منها ثلاثة احواض أوأكثر، فضلاً عن محل الدواء ،والحمام تغطيه قبة فيها
شبابيك في اعلى السقف وهوعلى شكل عرقجينلادخال
الضوء الى المسبح ،ومن ابرز الحمامات الشهيرة في تصميمها البنائي : حمام
العطارين وحمام المنقوشة وحمام باب لكش ،
فضلاً عن شهرة حمام علي جنوب الموصل التي يرتادها الناس للاستجمام والترفيه
والعلاج لاحتوائها على مياه معدنية وهى ذات طرز بنائية خاصة بها حيث تكون على شكل
دائري ومسقفة من الاعلى وتضم في الوسط بركة واسعة من الماء يستحم بها الناس ،اما عين
كبريت التي تقع على الضفة اليمنىلنهر دجلة قرب المستشفى ،فهى تختلف عن غيرها اذ
تضم بركة من الماء في الفضاء يستحم بها الناس نهاراً.
ومما يؤسف له أن هذه
الخصائص والمميزات التي تتمتع بها الريازة والعمارة الموصلية بكل عناصرها البنائية
،قداندرست مع مرور الزمن بفعل زحف الكونكريت والاسمنت في البناء العمراني .